انتظرته طويلًا ذلك اليوم تحديدًا، انتظرته بصبرٍ نافذ، وبلهفةٍ كبيرة!
لم تدرك السبب على وجه الخصوص إلا أنَّ الشوق استبدَّ بها وأضعفها، ثمة انقباضٌ غريب بقلبها، خوفٌ مفاجئ لحظة تفكيرها به
وفي الحقيقة، هي لم تفكر بأي شيءٍ آخر سواه طيلة اليوم!
فكرت: متى وصلتُ لهذا الحد في حبه؟
ردت أم كلثوم وكأنها تكمل الحديث الذي بدأته: طول عمري بخاف من الحب وظلم الحب لكل صحابه!
لطالما كانت تخاف الوقوع في الحب حقًا، لكن شيئا خاصا فيه أوقعها، ليس جمالًا أو جاذبيةً أو أيًّا مما كان يجذب فتاةً لشاب،
وحدها الطمأنينة بوجوده هي السبب، الراحة التي يملأ بها الكون داخل قلبها الصغير هي السبب، الحنان الذي يبثه لها مع كل
محادثة قصيرةٍ عادية بينهما هي ما جذبها له وجعلها تتشبث بحبال التعلق به!
كان كل ما تحتاجه في حياتها فسحة أمانٍ وحنان، تستطيع خلالها أن تكون هي على طبيعتها دون أن تخاف أو تقلق إن تكلمت أو أبدت
رأيها أو حتى إن تصرفت بعفوية طفولية دون أن يعلِّق أحدٌ بطريقة سلبيةٍ أو بها نوعٌ من الاستخفاف.
كان كل ما تحتاجه لمسةُ حنانٍ وحب!
لم يكن يغريها شيءٌ آخر سوى أن تتشارك كل ما تحب معه دون قيود مهما كان بسيطًا وطفوليًّا!
منذ سنواتٍ وهي تخفي داخلها ذلك الحب وتُداريه، كان جُلُّ ما يُقلقها أن تسمع خبرًا من طرفه يحمل ارتباطًا بإحداهن!
هي تعلم جيدًا أن النصيب وحده هو من يقرر ذلك بإرادة الله طبعًا، لكن القلق بدأ يكبر شيئًا فشيئًا حتى وصلت للحد الذي جعلها تتصرف
دون تفكيرٍ أو صبر، اعترفت بحبها وهي التي لم تتوقع يومًا أن تعترف بذلك.
أخبرته بكل ما في قلبها دفعةً واحدةً دون أدنى تفكيرٍ بما قد يحصل بعد ذلك!
لكنها فوجئت أنها لم تكن تخبره شيئًا جديدًا، كان يعرف كل شيء، ويدركُ مشاعرها تمامًا، ربما كان يستمتع بتلك المشاعر التي تخرج
منها دون أن تدرك، وربما كان يشفق عليها فلا يجرحها بابتعاده عنها أو تغير أسلوبه معها!
اعتقدت أنها بإفصاحها عن سرها سترتاح من حملها الثقيل، لكن ما حدث عكس ما توقعت، تملَّكها شعورٌ بالندم لأنها شعرت أنها
صارت مكشوفةً أمامه تمامًا، وهذا أمرٌ مفزِعٌ بالنسبة لها إن لم يكن يحمل في قلبه لها ما تحمله له!
ربما صار يتعمَّد الابتعاد عنها ظنًّا منه أنه سيحميها ويُنسيها حبها، لم تفهم منه شيئًا عن رأيه بما باحت به لكنها صارت تفتقده أكثر،
وتنتظره أكثر!
ابتعاده كان السبب في جعلها تكابر كثيرًا في السؤال عنه والتحايل لتفتح معه حديثًا عاديًا، تكابر حتى تضيق ذرعًا فيخونها قلبها
مُتآمرًا مع أصابعها المرتجفة فترسِل رسالةً مهزومة للاطمئنان.
أكثر من مرةٍ قررت أن تتراجع وتتجاهل حبها له حتى تنساه، تكاد تنجح إلا أن رسالة اطمئنانٍ منه تفسِد الخطة كلها فتحبه أكثر!
تُغني أم كلثوم الآن: لا أنا أد الشوق، وليالي الشوق!
ما العمل وقد استبدَّ بها الشوق حدَّ شعورها بالاختناق وانقِباض قلبها فزعًا وقلقًا؟
خانها قلبها بعد رفضٍ امتدَّ طيلة نهارٍ كامل وكتبت مهزومة: أنت بخير؟
ودخلت دوامة انتظارٍ خانقٍ قد تطول ليومٍ آخر أو اثنين!
لماذا نقع في حب من لن يحبنا؟ تساءلت وهي تفكر ساهمةً تتأمل سقف غرفتها بعد أن جافاها النوم!
-مياس وليد

تعليقات
إرسال تعليق