عزيزي ديسمبر..
كان هذا العام قاسٍ جدًّا، بل الأقسى من بين كل الأعوام السابقة عدا العام الذي وجدتُ نفسي فيه غريبة خارج الوطن، لكن نهايته
كانت فرحة العمر الطويل التي انتظرتها طويلًا!
لن تكون رسالتي هذه من أجل اللوم أبدًا، بل لأني أريد استذكار بعضِ ما ترك بداخلي أثرًا لن يمحوه أي شيء، لكنه علَّمني أشياء لم أكن
لأعرفها لولا ما عِشته!
عرفتُ في هذا العام بأني وحدي أستطيع فعل ما أريد، وتحقيق ما أريد.. وحدي أعرفني وأفهمني، ووحدي أعتني بي بكلِّ
ما أملك من حب، وبأنّ كل الحب بداخلي لا يستحقه شخص واحد على الخصوص، بل يستحقه كل ما في الكون من شجر وحجرٍ وبشر
وبأن لا أحد في هذا العالم كله يستحيل إيجاد شخصٍ آخر مثله، بل هناك الأفضل دومًا!
وبأن الأقنعة لن يلبسها إلا الشخص الأقرب، والأكثر جرأةً على فرضِ ما يحب عليك بكل الطرق المحببةِ إليك، ذاك الذي وبطريقة ما
يحاول سلب الحياة من داخلك ليجعلك مساويًا له في زاوية البؤس والألم ولوم الظروف، ولكن دون أن تشعر!
وبأن المواقف هي من تحسم الأمور كلها لا الكلمات والوعود!
وبأن الغيوم لا بدَّ أن تتبخر وتتبدد فلا يبقى لها أي أثر، وبأني لستُ غيمةً وهذا الأهم، أنا ذاك الازرِقاقُ الدافئ في سماء الله الواسعة
ذاك الباعثِ لِلأمل والحب والاطمئنان، تلك المساحة الشاسعة من الحرية التي لا يحُدُّها شيء، ولا يقيّدها شيء.
وبأنَّ من يُحبني سيحبني كما أنا بحُرِّيَّتي أولًا، وبأفكاري وعفويتي ومشاعري ثانيًا، ومن ثم بباقي أشيائي من عيوبٍ وندوبٍ وانكساراتٍ
وهشاشةٍ واستمرار شعلة الأمل بالاشتعال رغم كل الظروف!
بأنَّ من يحبني سيكون بمقدوره أن يتفاءل بكل شيءٍ معي مهما كان سيئًا، لأنه تفاؤلٌ نابعٌ من إيمان..
لطالما تفاءلتُ بأن مصير ثورةٍ آمنتُ بها منذ البداية "الانتصار" رغم كل المآسي والأحداث التي لم أتمكن من استيعابها ونسيانها
حتى الآن، لكنها انتصرت!
انتصرت بديسمبر ليلة سقوط الطاغية الذي يئس البعض من سقوطه!
وكذلك، سأبقى متمسكةً بتفاؤلي لِليلةٍ أتحرر فيها من سجني الذي لن يراه أو يشعر به غيري، سأتحرر كما تحرَّر معتقَلين ظنُّوا
أنَّ أبواب النسيان أغلِقَت عليهم للأبد!
كما تحرَّر شعبٌ كاملٌ وصار يرقص فرحًا بعد أن كان يبكي قهرًا، سأتحرَّر!
تعلمت بأن الإنجاز الوحيد الذي تقدمه لنفسك، هو أن تكون قادرًا على الوفاء بوعدٍ لها رغم كل الظروف!
هذا العام لم أُنجِز شيئًا يُذكَر على الصعيد العملي والأدبي والقرائي مقارنة بالسنوات الماضية، لكني بالمقابل أنجزت على الصعيد
الصحي باستمراري بالعلاج الذي بدأته بنفسي وساعدني في الرحلة صديق ٌ لا تربطني به أي معرفةٍ شخصيةٍ سوى أنه طالبُ علاج
فيزيائي يحمل بداخله إنسانيةً وتفاؤلًا تفوق إنسانية أي طبيبٍ قد زرته.
كل انجازاتي لهذا العام كانت كالآتي:
صار بإمكاني المشي لمسافاتٍ دون الحاجة لأن أتشبث بيد أحدٍ حتى أتمكن من أن أوازن جسدي أثناء الوقوف أو الحركة!
صار بإمكاني تثبيت جسدي دون أن تظهر عليَّ علامات انعدام التوازن كالسابق!
تمكنتُ من تقليص حجم الصخرة التي أحملها على ظهري بشكلٍ بسيطٍ جدًّا لكنه كلَّفني عامًا كاملا من الجهد والمحاولة!
تعلمت تمارين جديدة، خضتُ تجارب كثيرة، والأهم من كل ذلك صار سقوطي الدائم قليلا بل محدودًا!
صار بإمكاني معرفة من يستحق أن يكون وفق دائرة اهتماماتي، وأنِّي أهم اهتماماتي!
صار لي أصدقاء حقيقيين لهم أجسادٌ أراها وأصواتٌ أسمعها، قلوبهم دافئة ونظرات الفخر بعيونهم لي عميقة، عميقةٌ جدًّا!
أنهيتُ كتابة الإصدار الجديد الذي لم يجد طريقًا للانتشار حتى الآن!
فشلتُ بإدارة موقع منصة عمق الذي كان حلمًا بالنسبة لي، على العموم كانت نفسيتي المحطمة والظروف عليها فلا بأس!
وتعرَّفت على ضيفٍ جديدٍ قد يرافقني دومًا، وقد يُلملمُ نفسه ويرحل عني يومًا "الربو"!
قرأتُ بعض الكتب، وكتبتُ بِنسبةٍ مقبولة!
وأخيرًا، خابت ظنوني حين صدقتُ أنَّ غيمةً هشَّةً ستحمل سماءً واسعة!
عزيزي ديسمبر..
أرجو ألا أكون قد أثقلتُ عليك لكني كنت بحاجةٍ للبوحِ حتى أتمكن من إعادة النظر بأولوياتي واهتماماتي، لأعيد ترتيب حياتي
من جديد، حياتي التي صار لها وطنٌ لتعود إليه وتعيد رسم الأحلام على أرضه الحرَّة.
#مياس_وليد_عرفه
تعليقات
إرسال تعليق