منذ أن تحرر الوطن الأجمل على الإطلاق من طاغيته الظالم في الثامن من ديسمبر لعام 2024م وكلمات الفرح والتهاني والتبريكات لم تتوقف، أغنيات النصر لم تهدأ في كل شبرٍ من الأراضي السورية خاصةً، وفي أراضي العالم كله عامةً.
تخالِجني الكثير من المشاعر التي لم أجربها من قبل، ولم أفكِّر كيف سيكون وقعها على قلبي يومًا!
وحدها الابتسامات المشرقة على وجوه الشعبِ كله تجعل من قلبي يطير فرحًا وبهجة، رؤية الأيادي المتشابِكة والمتعاونة، الأطفال التي صارت تعرف جيدًا الحكاية كلها من البداية حتى النهاية، ورغم ذلك الوعي الكبير الذي صار لديهم لم يتخلَّوا عن براءة طفولتهم أو لعبهم الدائم ومشاكساتهم اللطيفة، كل شيءٍ صار جميلًا ومُبهِجًا فجأة، حتى ذاك الركام الذي خلَفه نظام الشرِّ الساقط إثر قصفه المستمر على مساحات واسعة من البلاد، صار جميلًا لأنَّ من صنعه هرب وصار بإمكان الشعبِ المُحِبِّ للحياة إعادة تشكيله وترتيبه وتلوينه حسب ما يشاء، صار له الحق بإظهار ذوقه للعالم كله دون أن يمنعه أحد!
كل شيءٍ صار يدعو للرقصِ والغناء والضحك فرحًا عدا معتقلين غُيِّبوا قسرًا ولم يعودوا للآن لا أحياء ولا أموات للقاء أهاليهم الذين هدَّهم الشوق وطول الفراق، وأتعبهم الأمل الذي جعلهم يقفون أيامًا وأسابيعًا حاملين الصور ومتلهفين لمعرفة ولو معلومة بسيطةٍ تدلهم على مكان الأحباب!
جميعهم كانوا ضحايا لكلمة حقٍّ ومطلبٍ شرعيٍّ لأي مواطن سوري "نريد سوريا العظيمة، لا سوريا الأسد!"
كل شيءٍ يدعو للتفاؤل عدا وجود منافقين مجرمين يسيرون بأقنعةٍ ارتدوها حتى يتماشوا مع الوضع الراهن، ففرحوا بما ندَّدوا به وحاربوه طويلًا، وحاربوا من تمسك به بكتابة تقارير تبتلعهم إلى عتمة السراديب دون رجعة!
شاركوا بآراءٍ سابقة وتمسكوا بها وظلموا لأجلها كانت معاكِسة لما هي عليه الآن، بدَّلوا جلودهم وهيئاتهم ولكن ماذا عن قلوبهم وضمائرهم؟ ماذا عن فكرة عدم قدرة أي مواطنٍ فقدَ أحدًا من أفراد عائلته على مسامحته؟ كيف لهم ذلك وقد ذاقوا الويلات بسببهم؟
حين نقول كلمة "تحرير" أو "حرية" علينا أن ننظر دواخلنا حيث نوايانا وحقيقتنا ومشاعرنا، ونتساءل بجديَّة: هل تحررت هي أيضا؟
هل هي مُتوافقة مع ما نقوم بإظهاره للعلن؟ أم أنها مُخالِفة؟
وعلى هذا الأساس بإمكاننا أن نُقَيِّم أنفسنا ونختار ما علينا فعله، فإن كانت متوافقة فلنبدأ بالمساهمة بشكلٍ أو بآخر في عملية البناء والتخطيط للمرحلة القادمة للوطن وللشعب.. أما إن كانت مخالفة فلنُعيد النظر بتمعنٍ وإدراك بنوايانا ومشاعرنا الحقيقة ومحاولة التفاهم معها ومعرفة الثغرات التي تمنع المصداقية من أن تكون هي الحقيقة!
والانتظار وإعطاء فرصة لإثبات جدِّية الواقع ورؤية العمل وتقييمه قبل إلقاء الأحكام ونشر البلبلة هنا وهناك.
نتساءل عمَّا إذا كانت أرواحنا تحرَّرت من أفكارها البائسة، وانطفاءها المستمر بعيدًا عن الشغف والأمل.
حين تتحرر أرواحنا سنتحرر نحن من أفكارٍ ومخاوِف كانت المسيطر الأول والأكبر علينا، حينها سنستعيد الأمل النابع من قلوبنا من أجل غدٍ أجمل وأكثر إشراقًا لوطننا.
فلنكن مُحررين فكريا ونفسيا وجسديا حتى نتمكن من بناء مستقبل وطنٍ حر بسلام.
#مياس_وليد_عرفه
تعليقات
إرسال تعليق